من يُعذب من في الجزائر؟
من يُعذب من في الجزائر؟
أثارت تصريحات الطالب وليد نقيش أمام محكمة جزائرية، بداية الشهر الحالي، نقاشات واسعة واستنكارا من قبل فئات واسعة من الجزائريين والناشطين الحقوقيين، بعد إعلانه أمام القاضية، عن تعذيب واعتداء جنسي أثناء فترة احتجازه، يكون قد تعرض له في احد الثكنات العسكرية، ما دفع بالنيابة العامة إلى فتح تحقيق حول هذه الاتهامات، التي أعادت تذكير الجزائريين بأن ممارسة التعذيب ما زالت تحصل في بلدهم، بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال.
تعذيب يقوم به جزائريون منتمون إلى مؤسسات رسمية، وداخل مقرات رسمية ضد جزائريين آخرين، دفعهم حظهم العاثر نحو أقبية هذه المؤسسات، التي كان يفترض فيها أن تكون آمنة ومحمية بالدستور والقوانين، التي تمنع وتعاقب التعذيب وكل أشكال الممارسات المنتهكة للحرمة البدنية والنفسية للمواطن.
تذكر الجزائريون تاريخهم الأليم مع التعذيب، وهم يستمعون إلى الطالب وليد نقيش، وهو يسرد ما يكون قد تعرض له من تهديد وتعذيب واعتداء جنسي، بعد إلقاء القبض عليه في مظاهرة طلابية في نوفمبر 2019 بمناسبة حراك الطلبة، ليقضي 14 شهرا في السجن، بتهم خطيرة، تم ربط ملفه أثناءها بدور مفترض له لصالح حركة الماك الانفصالية، كادت أن تودي به إلى السجن المؤبد، لولا تخفيض العقوبة إلى ستة أشهر وغرامة مالية، ليتم إطلاق سراحه، وهو غير مصدق لما حصل له وما عاناه من عذاب.
بالعودة السريعة إلى تاريخ الجزائر، الوقائع التاريخية تخبرنا، أن هذه الممارسة المشينة، عرفت انتشارا كبيرا أثناء ثورة التحرير. لم يكن التعذيب فيها مسلطا على الجزائريين من قبل الجيش الفرنسي وأزلامه من حركى فقط، تحول على أثرها إلى ممارسة روتينية، بل كذلك من قبل مؤسسات الثورة، ضد بعض أبنائها، أثناء حالات الاضطراب التي عرفتها يوميات ثورة التحرير، داخل التراب الوطني وعلى الحدود مع المغرب وتونس. كما أكدت ذلك عديد كتابات للضحايا والمؤرخين. فقد كتب عن هذه الممارسات المؤرخ محمد حربي، والمناضل السياسي أرزقي باسطة وغيرهما، من الذين كتبوا عن تاريخ الثورة وهي تعيش تجاوزات خطيرة، في بعض المحطات، حاول تفسيرها حربي بالعودة إلى بعض الأبعاد السوسيولوجية والأنثروبولوجية للمجتمع الجزائري، كالصراع بين الريف والمدينة، والحالة الثقافية لمناضلي جيش التحرير، وغيرها من المتغيرات التي تؤكد كلها أن لا مقارنة بين ما قام به الجيش الفرنسي من تعذيب واعتداءات جنسية، وغيرها من ممارسات مشينة، وما كان وراءه جيش التحرير، كممارسات محدودة في الزمان والمكان. عادة ما يتم إيجاد التبريرات لها بضغوطات الظرف الثوري. للأسف ما حصل أثناء ثورة التحرير، من تعذيب وممارسات عنيفة ضد الجزائريين، من قبل جزائريين آخرين، استمر، بعد الحصول على الاستقلال، مباشرة، في الأيام الأولى من حكم بن بلة – بومدين. يكفي التذكير هنا بما تعرضت له شخصيات سياسية معروفة مثل أحمد طالب الإبراهيمي ولخضر بورقعة وبشير حاج علي وغيرهم من وجوه المعارضة، بمختلف أطيافها الفكرية والسياسية، الذين كتبوا عن معاناتهم في السجون الجزائرية، وهم يتعرضون للتعذيب في الأماكن نفسها التي كان يعذب فيها الجيش الفرنسي. عاد الوجه القبيح للتعذيب في الجزائر، ليذكر الجزائريين أن معاناتهم لم تنته بالخروج من الفترة السياسية المضطربة، بعد عودة التعذيب إلى الواجهة مع أحداث أكتوبر 1988، حين تعرض مئات الجزائريين إلى التعذيب في مقرات عسكرية تابعة للجيش، كان على رأسهم مناضلون ونخب يسارية. كانت محل تنديد وطني واستنفار مجتمعي واسع، خلال تلك الفترة الحرجة، من التاريخ السياسي للبلد الذي يذكرنا أن عودة هذه الممارسات مرتبط بخوف النظام السياسي واضطراب أدائه في مراحل محددة، يلجأ فيها إلى العنف عندما يحس أن شرعيته المنقوصة يتم التشكيك فيها من قبل قوى سياسية أو شعبية منافسة.
هذا ما حصل بشكل واسع في بداية التسعينيات، بعد إلغاء نتائج أول انتخابات تعددية 1992 ليكون ضحايا التعذيب والاختفاء القسري والقتل خارج القضاء، أكثر تحديدا هذه المرة، فقد سلطت كل هذه الممارسات التي أخذت أشكالا واسعة، على الإسلاميين من أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وقواعدها الشعبية. ممارسات مازالت المطالبة بالكشف عن مصير ضحاياها ومعاقبة مرتكبيها قائمة لحد الساعة، رغم صدور» قانون مصالحة» لم يحل الإشكالات المرتبطة بهذه الأزمة إلا جزئيا، وبشكل لم يرض ضحايا هذه المأساة المتعددين، الذين كان من بينهم من اتهمته جماعات الإسلام المسلح، بالوقوف في صف النظام ضدها، ليكون مصيره القتل والتعذيب والاختطاف، ما منح ما حصل شكل حرب أهلية بشعة لم يتم استخلاص دروسها حتى الآن من قبل الجزائريين.
خارج هذه المحطات التاريخية المحددة، استمرت معاناة الجزائريين مع أنواع كثيرة من سوء المعاملة داخل المقرات الرسمية، للكثير من المؤسسات الأمنية الرسمية، تحديدا عندما يتعلق الأمر بالشباب وأبناء الأوساط الشعبية، رغم تقلص التعذيب كظاهرة ممنهجة. ممارسات لا يبرر مطلقا السكوت عليها أو مهادنتها، حتى لا يحصل نوع من التكيف معها كأمر واقع، بسبب الخوف من بطش هذه المؤسسات الرسمية ورجالها، قد يجعل الضحايا يتحاشون الكلام علنا عما تعرضوا له، بعد الخروج من هذه المحنة، خاصة اذا ارتبطت بتجاوزات جنسية مازالت تثير الكثير من الحساسية. ضعف ثقافة حقوق الإنسان وقيم التضامن مع الضحايا، يمكن سردها كأسباب لهذا السكوت، الذي يمنع وصول تفاصيل ما يحدث إلى الرأي العام، إلا في الحالات النادرة. بعد تخلي الإعلام عن أداء أدواره، جراء التضييق عليه، أو التواطؤ مع الوضع، في الكشف عن هذه الممارسات التي عادة ما تسكت عنها العدالة ولا تقوم بالتحقيق فيها، حتى إن وصلت بعض أصدائها إلى القضاء، عكس ما حصل هذه المرة، ما يحول مسألة استقلالية العدالة إلى شرط ضروري لأي إمكانية تحسن في مجال ثقافة حقوق الإنسان، التي ما زالت غير مكرسة بين أبناء المؤسسات الأمنية، بكل أصنافها وهم يزاولون نشاطهم. مؤسسات أمنية ما زالت لم تتخلص من ثقافة اللاعقاب التي يجب العمل على محاربتها، كي لا تتحول إلى جزء من عقيدة مهنية مكرسةن لمؤسسات تعيش تحسنا كبيرا في المستوى التعليمي لأفرادها، يمكن البناء عليه لتحسين أدائها في مجال احترام المواطن وحقوقه.
لذلك فإن عملا طويلا ما زال في انتظار الجزائريين كأفراد وكمؤسسات رسمية، لكي يتم تجسيد ثقافة حقوق الإنسان كممارسة يومية، لا يمكن تصورها، من دون كسر حاجز الصمت حول هذه الممارسات المشينة، مع يقظة شعبية حاضرة وعدالة مستقلة وإعلام حر. شروط طالب بها الجزائريون بقوة منذ انطلاق حراكهم الذين يحتفلون بذكراه الثانية، بعد أيام.
ناصر جابي
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (2)