قانون الإنتخابات الجديد في الجزائر… ما له و ما عليه
قانون الإنتخابات الجديد في الجزائر… ما له و ما عليه
عندما أطل الرئيس الجزائري “عبد المجيد تبون” من ألمانيا في خطابه الشهير عبر تويتر في ديسمبر 2020 واضعا الحد للكثير من الشائعات و التكهنات حول حالته الصحية، دعا لجنة خبراء برئاسة “أحمد لعرابة” للشروع فورا في إعداد قانون للانتخابات استعدادا لانتخابات برلمانية مبكرة من الممكن أن تغير وجه ووجوه اللعبة السياسية في البلاد.
ما ميز الانتخابات السابقة هو التزوير و تحكم المال الفاسد في القوائم الانتخابية و شراء أصوات الناخبين على “عينك يا تاجر”, إضافة الى تمويل حملات المترشحين دون رقابة حقيقية، وهي قضايا لم تعد خفية على أحد و قد اتهمت فيها بعض الشخصيات التي تمثل أمام القضاء اليوم.
بلا شك سيكون البرلمان المقبل مسؤولاً عن تشكيل الحياة السياسية في إطار الجزائر الجديدة التي يسعى إليها رئيس الجمهورية، لكن إذا غلب عليه حزب أو تيار بعينه فإن ذلك سيضرّ بحاضر البلاد ومستقبلها وسيغلق الأفق السياسي و سيعمق الأزمة و يحد من بدائل حلها.
تعد استشارة الأحزاب السياسية في هذا القانون العضوي للانتخابات لأول مرة في الجزائر خطوة مهمة لإرساء الثقة بين السلطة والأحزاب والناخبين، كما تعبر عن النية في تقديم قانون ” توافقي”، وهو ما ستكشف عنه قادم الأيام إذا ما أخذت اقتراحات و ملاحظات الأحزاب بعين الاعتبار. فالتراجع التاريخي في نسبة المشاركة الشعبية في انتخابات التعديل الدستوري الأخيرة جعل من “التوافق السياسي” في هذه المرحلة بالذات حول قانون الانتخابات أمرا ضروريا، حتى يستقطب العازفين عن التصويت ويضمن للناخب تجسيد إرادته الحقيقية عبر اختيار ممثليه في المجالس الوطنية المختلفة.
لقد تضمن القانون العضوي الجديد للانتخابات تعديلات عميقة غيرت من ملامح القانون السابق كليا، وهو ما سيضعنا أمام تجربة جديدة لأنه قانون خاص ويتطلب اجراءات خاصة.
لقد انتقل القانون الجديد من نظام القائمة المغلقة إلى المفتوحة، حيث سيختار الناخب إسما أو أكثر من نفس القائمة دون الالتزام بترتيبها وفي حدود المقاعد المخصصة للدائرة الانتخابية، وهذه الطريقة في التصويت ستمنح الناخب هامشا أوسع للمفاضلة بين المترشحين، لكنها ستحول المنافسة بين القوائم إلى منافسة بين مترشحي القائمة الواحدة، و ستحول الحملات الانتخابية إلى دعايات شخصية بدل العمل الجماعي الحزبي المؤطر، مما يهدد بانشقاقات محتملة داخل الأحزاب السياسية خصوصا الهشة منها.
وسيبقى التساؤل حول ما إذا كان نظام القوائم المفتوحة سيحد من المال الفاسد الذي كان يدفع بالملايين لتصدر رأس القائمة، أم سيفتح الباب على مصرعيه أمام الطامعين ما دام الترتيب في القوائم غير مهم ؟
من جهة أخرى يشجع القانون العضوي الجديد للانتخابات الشباب على الانخراط في التنافس الانتخابي بشكل حر ومستقل مع دعم مالي مخصص لهم حصرا للحد من عزوفهم عن المشاركة السياسية وضخ دماء جديدة في البرلمان وهو أمر إيجابي، إلا أن هذا الدعم المالي يتنافى مع مبدأ المساواة بين المشاركين أحزابا كانوا أو مستقلين، وسيفرغ الأحزاب السياسية من أعضائها الشباب ليصبح الهدف في أحيان كثيرة هو البحث عن البزنس فيخلو الترشح من الجدية وربما الكفاءة ، كما أن تضييق هامش عمل الأحزاب السياسية سيحدث نوعا من الميوعة والتشتت المقصود في العمل السياسي، فتسهل السيطرة على الساحة السياسية ويتم توجيهها بأريحية كبيرة.
إشكالية أخرى كانت و لا زالت تطرح في كل مناسبة سياسية، وهو الدور السياسي للنساء، فبلا شك هن كتلة انتخابية وازنة ومؤثرة مقارنة مع مشاركة ضعيفة في صناعة القرار، لكن لجنة “أحمد لعرابة” اقترحت المناصفة في القوائم الانتخابية بين النساء والرجال بعدما كانت مقاعد النساء في البرلمان تخضع لنظام الكوطة تحت مبرر المرور بفترة انتقالية تهيء مجتمعنا الذكوري لتقبل الدور السياسي للمرأة و حتى تثبت الأخيرة جدارتها، على أن ننتقل بعدها إلى مرحلة تكرس مبدأ المساواة مع الرجل في العمل السياسي، لكننا تفاجأنا بقفزة حرة في هذا القانون لأنه ينص على مبدأ المناصفة في القوائم وليس المقاعد، وباعتقادنا أن ذلك سيقصي المرأة و يغيبها بشكل نهائي في البرلمان المقبل تماما مثلما تم تغييبها عن مراكز صنع القرار التنفيذية الأساسية.
أمر آخر ملفت في هذا القانون وهو اشتراط عتبة انتخابية محددة بأربعة في المائة على المشاركين في الانتخابات، ويشترط على الأحزاب الناشئة والذين لم يحققوا هذه العتبة في انتخابات سابقة جمع توقيعات تؤهلهم للمشاركة في الانتخابات القادمة.
معروف أن معظم الأحزاب التي تخطت هذه العتبة هي الأحزاب التقليدية “أحزاب السلطة”، وهو ما يعني تكريس هيمنتها على البرلمان المقبل و تقليل فرص باقي الأحزاب و خصوصا حديثة التأسيس، كما سيجعل المنافسة الانتخابية محدودة.
لقد أخذت لجنة لعرابة اقتراحات وملاحظات الأحزاب، وهي بصدد العمل على إخراج النسخة النهائية من هذا القانون الذي سيمرر على مجلس الوزراء ثم البرلمان للتصويت، وليس لنا إلا أن نتمنى أخذ اقتراحات الفاعلين بعين الاعتبار.
بلا شك سنكون أمام تجربة جديدة وفريدة، وسيبقى الرهان معقودا على ترشح أصحاب الرؤى السياسية وعلى مشاركة شعبية قوية في الانتخابات، لأن الفراغ سيدفع البعض للرهان على نواب الخدمات أو المترشحين الأغنياء.
د. لبنى شطاب
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (2)