هل الشعب الجزائري اليوم عاجز عن إبداع صيغة لثورة جذرية على مافيا الجنرالات ؟
هل الشعب الجزائري اليوم عاجز عن إبداع صيغة لثورة جذرية على مافيا الجنرالات ؟
أصعب حالة نفسية قد يجتازها الإنسان هي ( حالة العجز التام ) عن قضاء حاجياته الضرورية بنفسه ، فبالإضافة للمرض الذي يعانيه المريض والذي كان سببا له في هذا العجز ، هناك المرض الأخطر من كل ذلك هو ( الإحساس بالعجز ) أمام كل شيء ، نفسيا فإن الإحساس بالعجز يضاعف تغول المرض في عموم الجسم والعكس صحيح فتفشي المرض في الذات يضاعف الإحساس بالعجز وهذه الحالة تجعل الإنسان مشلولا ومع الأسف يرى ويسمع وعقله مشتغل في حدوده الدنيا لكنه لا يستطيع أن يفعل شيئا...
تلك هي حالة الجزائر المشلولة فكريا و سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وتنمويا ، ويمكن القول إن هذا العجز في جزائر اليوم أصبح عاما وقد أصاب العصابة الحاكمة والشعب الجزائري المغبون نفسه فهو أيضا قد وصله العجز أمام ما يجري أمامه لكنه يقف ( جاحظ العينين ) مشدوها بل تائها وفاقدا للحركة بسبب الإحساس بالعجز أمام نفسه أولا وأمام الطغاة الذين يحكمونه ويُنَكِّلُونَ به تَـنْـفِـيـساً لهم عن إحساسهم بالعجز التام ...
لقد أطيح بالمدعو بوتفليقة ونَبَّهْنَا نحن في حينه لخطورة إعادة إنتاج عصابة أخرى مكونة من عناصر العصابات السابقة ، وكان ما ارتأيناه صحيحا حيث استطاع المقبور قايد صالح أن يضع بجانبه الكريه شنقريحة ثم يشرع في مخاطبة الشعب الجزائري بكلام يلعب فيه على الحبلين ، يمدح حراك فبراير 2019 وفي نفس الوقت يهدد أحيانا أحرار الشعب وذلك حسب سياسة العصا والجزرة لِـرِبْحِ الوقت من أجل تنفيذ مخطط إعادة إنتاج عصابة أخرى انتقالية مهدت لانتخابات رئاسية موجهة للخارج فنجح في تكبيل الشعب وتخديره ليعطي لمافيا الجنرالات الفرصة الكافية أن تختار ( تبون ) لتعويض بوتفليقة ولتستمر السلطة العسكرية كما كانت في زمن بوتفليقة ومن كان قبله ، كل هذا والشعب الجزائري تَـائِهٌ مُخَدَّرٌ يسبح في متاهة متشعبة الجيوب ، ورغم استمرار حراك فبراير 2019 استطاعت العصابة الحاكمة الضحك على الشعب الجزائري برمته وتمرير دستور ممنوحٍ انتزع العسكرُ بواسطته مجالا واسعا ليتحرك فيه كما يريد ، وهكذا وأمام ( دوخة ) الشعب وانبهاره و تسارع الأحداث أمامه نزلت الصاعقة على الشعب الجزائري ( رئيس معين + دستور ممنوح ) ثم جاءت الضربة القاضية للشعب وهي تعيين أعضاء المجلس الشعبي الوطني بدون انتخابات ، وهي التي قال عنها تبون قبل أن تبدأ عملية التصويت " إنّ نسبة المشاركة لا تهمّ. ما يهمّني أنّ من يصوّت عليهم الشعب لديهم الشرعيّة الكافية لأخذ زمام السلطة التشريعيّة"..... وهذا معناه أنه لو صوت كل مترشح على نفسه فقط ثم دخل المجلس الشعبي الوطني ، فإن تبون قد نجح في صناعة هيأة تشريعية ، لقد كان تبون يعلم علم اليقين أن المقاطعة ستكون كاسحة منذ التصويت البائس عليه وكذا المسرحية الهزلية للاستفتاء على الدستور الممنوح ، دون أن ننسى الانتخابات التشريعية التي جرت في 12/6/2021 والتي ستدخل موسوعة غينيس بضعف الإقبال عليها ضعفا قياسيا وتاريخيا سجلته القوى الشعبية بالكاميرات حينما كانوا يرمون بلوائح المترشحين في حاويات المزابل ، بل سجلت منطقة القبايل صفر مشارك وفي نفس الوقت سجلت نسبة منطقتي تندوف وبشار %99 ,99 لأنها مناطق عسكرية يعيش فيها البوليساريو الذي جاء من كل حدب وصوب بل تم استدعاء بوليساريو إسبانيا ومن الخارج عموما وهذا دليل على أن الشعب الحر قد استيقظ من سباته الذي دام 60 سنة حينما اضطر شنقريحة أن يستنجد بالبوليساريو الذي أنفقت عليه الجزائر ملايير الدولارات فعلى الأقل عليه أن يكسر جدار المقاطعة العامة في عموم الجزائر .
بعد عرض الأسلوب الذي عادت به العصابة القديمة إلى السلطة مرة أخرى يمكن طرح السؤال التالي : مَنْ المُغَـفَّـل ؟ العصابة الحاكمة في الجزائر ( عسكريين ومدنيين ) أم الشعب الجزائري ؟
أظن أن الجواب واضح فالمغفل هو سلطة العكسر هم المغفلون ، لكن هذا يطرح سؤالا آخر : هل بدأ الشعب الجزائري يشعر بالعجز بعد أن استيقظ من سباته ؟ أظن أنه كذلك ، إن الشعب استيقظ من سباته لكنه عاجز عن إبداع صيغة ثورية فعالة تقتلع مافيا الجنرالات من جذورها ، فهو اليوم أمام تيهان مافيا الجنرالات الحاكمة وسُعَارِهَا الشرس بتصعيدها من أساليب القمع وارتفاع عدد المعتقلين بطريقة عمياء ، أصبح بين نارين : نار الحكرة والذل والمهانة والقبضة الحديدية التي جمع فيها العسكر بالإضافة إلى القمع والتنكيل ، أضاف إليها سياسة التجويع ، ونار تهديد العسكر بإعادة الذبح والتقتيل كما جرى في العشرية السوداء ... فأي بلاد في الدنيا تعيش ظاهرة طوابير المعيشة الذليلة التي بلغت درجة الصراع بين أفراد الشعب في الطوابير على ( قطرة زيت في قاع كيس بلاستيكي ) ؟ ... تَعَوَّدَ الشعب على طوابير الحليب والسميد والبطاطا والعطش في بلاد مساحتها 2,382,000 كم² وعدد سكانها أكثر من 45 مليون نسمة ولا يجدون ماءا يشربونه ، تَعَوَّدَ الشعب على ذلك طيلة 60 سنة من القهر والقمع لكن أن يصل الحال بهم أن تصبح ظاهرة الطوابير هي القاعدة وتوفير مواد العيش الضرورية هي الشذوذ فإن الجزائر بشعبها وحكامها متجهون جميعا إلى الهاوية ، فلا الشعب استطاع أن يثور ثورة حقيقية تنتزع الطغاة من جذورهم لأنه رَضِيَ بمعيشة الذل والمهانة ، معيشة الطوابير وانعدام الزيت بل انعدام قطرة الماء الشروب ، ولا سلطة تخاف الله وتقدر أرواح الشعب الجزائري وتنهض لحمايتها بل بالعكس فطغاة حكام الجزائر يبحثون عن كل ما يزيد من تضييق خناق المعيش اليومي على الشعب الجزائري حتى يزيد فرح وسرور مافيا الجنرالات ويطمئنوا على مستقبلهم.
فحينما أعيد رمطان لعمامرة وابنته الحاملة لشهادة الدكتوراه في البوليساريو تأكد العالم أن السلطة العسكرية وسكوت الشعب الجزائري عن سلسلة الإهانات هذه هي أكبر علامة على أن الشعب قد أناخ أمام سلاح العسكر الفتاك وَرَضِيَ لنفسه أن يزيد قرنا آخر من معيشة الذل والهوان إلى الأبد ، فاستسلموا لقدرهم ، أو ربما تعودوا على معيشة الذل والمهانة وفقدوا الإحساس بالكرامة نهائيا ...
وسلام على أي تغيير جذري في الجزائر .... لأن كابرانات فرنسا نجحوا في ترويض أجيال وراء أجيال من الشعب حتى أصبح الرِّضى بما يمنحه لهم كابرانات فرنسا قاعدة راسخة يتناقلها الأبناء عن الآباء ( ولن أقول الأجداد لأن الأجداد قتلهم المقبور بومدين واستكمل ذبحهم المجرم خالد نزار في العشرية السوداء ) ولم يبق في الجزائر إلا أجيال يتناقلون جينات أي ( كروموزومات ) المذلة والهوان ، فالذين هربوا إلى فرنسا وغيرها لم يندموا على ذلك لأنهم يرون الشعب الجزائري من بعيد وهو يغوص في الذل والمهانة ، شعبٌ عاجز عن صياغة فكرة أصيلة لثورة قوية تقتلع كبرانات فرنسا من جذورها ....
وإلى القرن المقبل فربما قد يظهر جيل تبدلت جيناته ، وهرمت بعد قرن من الزمن جينات الحكام الطغاة بعد طول استهلاكها وإنهاكها في القهر والتقتيل ... أقول قد لأن لطغاة الجزائر هم أيضا مخططاتهم لتجديد جيناتهم من الأصول الفرنسية أو غيرها ، أما الأصول الجزائرية فقد انقرضت بينهم ...
عود على بدء :
لم أجد أجود مما قيل في بداية المقال : أصعب حالة نفسية قد يجتازها الإنسان هي ( حالة العجز التام ) عن قضاء حاجياته الضرورية بنفسه ، فبالإضافة للمرض الذي يعانيه المريض والذي كان سببا له في هذا العجز ، هناك المرض الأخطر من كل ذلك هو ( الإحساس بالعجز ) أمام كل شيء ، نفسيا فإن الإحساس بالعجز يضاعف تغول المرض في عموم الجسم والعكس صحيح فتفشي المرض في الذات يضاعف الإحساس بالعجز وهذه الحالة تجعل الإنسان مشلولا ومع الأسف يرى ويسمع وعقله مشتغل في حدوده الدنيا لكنه لا يستطيع أن يفعل شيئا... فالشعب الجزائري ونحن في 2021 عاجز عن إبداع صيغة لثورة جذرية على مافيا الجنرالات...
سمير كرم خاص للجزائر تايمز
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (11)