من المؤسف القول لا أمل في صلح قريب بين المغرب والجزائر
من المؤسف القول لا أمل في صلح قريب بين المغرب والجزائر
كثر الحديث عن وساطات لإصلاح ذات البين بين الجزائر والمغرب منذ قررت الأولى قطع العلاقات الدبلوماسية.
من المؤسف القول ألا أحد في متناوله اليوم كسر الجمود. لا طرفا المشكلة جاهزان للاستماع وقبول حلول، ولا البعيد يمتلك القدرة على التأثير الإيجابي. بدايةً لأن النفوس ثائرة والمزاج متعكر والدماء تغلي في الأوساط السياسية بالبلدين، ثم لأن الأطراف البعيدة منشغلة بما هو أهم أو فقدت القدرة على التأثير الإيجابي وكذلك رصيد الثقة الذي كان متوفرا لديها في وقت سابق.
أيضا، المصالحات تُبحث في هدوء بعيدا زمنيا وجغرافيا عن مسرح ووقائع التوتر، وبعد أن تهدأ النفوس وتنتهي الأطراف المعنية في مراجعة حساباتها ورصد الربح والخسارة. غير أننا نسمع حديثا مستعجلا عن وساطات إقليمية كأنها تسارع للعمل بمقولة «اضرب الحديد وهو حام». قد تكون هذه «النظرية» مفيدة في مجالات ووقائع أخرى، لكن ليس في حالة القطيعة الجزائرية المغربية (قطيعة منتصف السبعينيات احتاجت إلى 13 سنة لتتبلور على أنقاضها ملامح صلح).
لهذا أُرجّح أن صقور السياسة والإعلام في الجزائر والمغرب سيواصلون في المدى المنظور الحفاظ على التوتر وتغذيته. أولًا حفاظا على مصالحهم، خصوصا الذين يقتاتون على الخلاف بين البلدين، وثانيا لتبرير الأزمة سياسيا ونفسيا، والإبقاء على الرأي العام الداخلي مجيَّشا ضد عدو خارجي يغطي وجودُه ولو مؤقتا على المشاكل الداخلية المتراكمة في البلدين.
سنرى المزيد من الأذى الإعلامي وحملات التشويه والإساءة للآخر. ستكون وسائل الإعلام في البلدين مسرحا لما سيصدر من شتائم وبذاءات لا تليق بقيَم الجوار والأخوَّة. وستكون منصات التواصل الاجتماعي أرضية خصبة لازدهار قواميس القدح والمعايرة المؤسفة. كل هذا بتشجيع من السلطات في البلدين، وفي أحيان كثيرة بتواطؤ منها.
المصالحة بين الجارين اللدودين في حاجة إلى معجزة. والمعجزة مستحيلة في الوقت الحالي لأن كلا الطرفين يعتقد أنه الأقوى وعلى صواب وخصمه المذنب: المغرب يعيش قناعة أنه ليس البادئ بالقطيعة، والجزائر ترى أنها ليست مَن بدأ بأسباب القطيعة. ثم تأتي الأسباب الأهم والأعمق.. المغرب آمَنَ، منذ اعتراف إدارة الرئيس ترامب بسياداته في الصحراء الغربية، بأنه أقوى دبلوماسيا فبدأ يختبر وضعه الجديد من خلال افتعال أزمتين دبلوماسية، مع ألمانيا ثم مع إسبانيا، ما كان يجرؤ على مثلهما من قبل.
في المقابل، لا تبدو الجزائر مهتمة بالمصالحة لأنها تؤمن بأنها مظلومة وأن من حقها الرد. الكثير من وسائل إعلامها سارعت إلى إغلاق الباب وتنقل عن «مصادرها» أن «الوساطات مرفوضة والعودة إلى ما قبل 24 أغسطس مستحيلة». تريد الجزائر أن تنتقم من المغرب، إنْ ليس دبلوماسيا، فاقتصاديا على الأقل، وترى في الحدود البرية المغلقة وأنبوب الغاز العابر للبحر الأبيض المتوسط إلى إسبانيا والبرتغال (تنتهي صلاحية العمل به يوم 31 من الشهر المقبل) سلاحا حاسما. الحدود والأنبوب سيضرَّان بالمغرب اقتصاديا، لكن درجة الأذى تبقى موضوع جدل في البلدين، الجزائر تبالغ في تصويرها والمغرب لا يريد إعطاء الانطباع بأنه تضرر فعلا.
ما يزيد الأمور سوءا أن أصوات العقل في البلدين يجري ترهيبها من جهات جعلت قول كلمة الحق خيانة وطنية. مكونات المجتمع المدني في البلدين، التي وَحَّدها الاستعمار قبل 70 سنة، فرَّقتها الدولة الوطنية وهي اليوم مشلولة وعاجزة عن الضغط على السلطات في هذا الموضوع أكثر من غيره.
نأتي الآن إلى الدور الإقليمي. لو حدثت قطيعة صيف 2021 قبل ثلاثين سنة لَجاز التفاؤل بإمكان حلها بتدخلات إيجابية إقليمية ودولية. لكن الواقع مختلف اليوم لأن الظروف الدولية والإقليمية تغيّرت في العمق وباتجاه يُسهّل وقوع الأزمات واستمرارها. كما أن الظروف الداخلية للدول القريبة تغيّرت فضعفت بعضها أو تهاوت، وبرزت دول أخرى لها رؤية مختلفة للمنطقة وأزماتها.
قديما قال أحد الحكماء إن أفضل التسويات هي التي لا يرضى بها الطرفان. لكن مَن في إمكانه اليوم اقتراح تسوية تُغضب الطرفين (أو لا تغضبهما؟). سيقت أسماء دول ظُنَّ أنها قادرة على فعل شيء مجدٍ: السعودية، تونس، مصر، فرنسا، تركيا، الاتحاد الأوروبي.
هذا أفضل الموجود، لكن: السعودية تتوفر على الوزن لكنها تفتقد إلى قيادة تفتقد إلى عزيمة تؤهلها لاقتراح حلول وإقناع الطرفين بالالتزام بها، مثلما كان الحال مع الملك فهد وقبله. تونس مشغولة بمشاكلها، صوتها خافت ولا تبدو قيادتها قادرة على التأثير دوليا وإقليميا. مصر في حاجة أكثر من غيرها إلى من يتوسط في أزماتها الإقليمية، خصوصا معضلة سد النهضة. ورغم ذلك تتمنى أن تقدّم شيئا في القطيعة الجزائرية المغربية، ولو من باب استعادة دورها الإقليمي وخروجها من حلقة غزة المغلقة، لكنها ترجّح الفشل. فرنسا بلا مصداقية وهي، في نظر الجزائريين، جزء من المشكلة وليس من الحل. الاتحاد الأوروبي بعيد لا يستطيع التأثير ولا يمكنه التحرك من دون توطئة فرنسية. تركيا تعاني من شبهة أنها ليست دائما «محضر خير» وأنها لا تتحرك نحو أيّ أزمة ما لم يكن وراء تحركها مغانم اقتصادية واستراتيجية.
في هذه الظروف ووسط كل هذا الاحتقان والإحباط وغياب العقل، سيكفي ألا يندفع البلدان إلى مواجهة عسكرية. يكفي أن يكف كل طرف أذاه عن الآخر وأذى إعلامه وذبابه. هذا وحده سيكون إنجازا.. في انتظار المعجزة.
توفيق رباحي القدس
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (12)