لبناء دولة الجزائر الجديدة يتوجب على أصحاب القرار عدم الاعتماد على المرتزقة
لبناء دولة الجزائر الجديدة يتوجب على أصحاب القرار عدم الاعتماد على المرتزقة
إن كنا نريد بناء دولة بالمفهوم الحديث ، فإنه يتوجب على أصحاب القرار ، عدم الاعتماد على المرتزقة ، ممن يحملون زورا صفة المواطن . وعليهم يقع واجب ترقية باقي أفراد الشعب ، ليصبحوا مواطنين ، وشركاء حقيقيين في الوطن . لهم وعليهم ما لبقية أبناء بلدهم ، هنا فقط يكون ولاؤهم للوطن دون سواه ، لا أن يكونوا مشاريع مرتزقة ، وفي مرحلة لاحقة سماسرة تحت تصرف من يدفع أكثر ، في صفقة بيع الأوطان . لقد تم اعتماد هذا النموذج ، في دولة قرطاج ، التي اعتمدت على جيش من المرتزقة . فكان خرابها في هذا النهج ، في حين نجحت روما في بناء دولة المواطنين ، فضمنت بذلك تفوقها في كل أرجاء العالم القديم . ولهذا فما من أحد يريد دولة مرتزقة ، يُرهن وجود الوطن بوجودهم . بل مواطنين وبذلك يكونوا صمام أمان ، يحول دون انفجار الدولة من الداخل ، ذلك أن دولة المرتزقة مصيرها الحرب الأهلية والاحتراب الداخلي . لكونها دولة الأضداد وتحمل بين طيّاتها ، عوامل تفجرها وانشطارها . لانعدام أواصر التلاحم والتي هي بمثابة الخلايا الضامة والاسمنت المسلح ، الذي يضمن رص الصفوف وتقوية الجبهة الداخلية ، ولذلك فهي ( أواصر التلاحم ) بمثابة الدرع الذي تتكسر عليه ، مختلف أمواج الانشقاق والتصدع والتشظي ومهما كانت قوتها . إن دولة المرتزقة ، يحتكم القائمون على إدارة شؤونها . على الأهواء ، لا على الاحتكام لسلطة القوانين . وكذلك أمر مشايعيهم ، فكلهم تتحكم فيهم أخلاق اللذة والمنفعة ، ومنطق الغاية المبررة للوسيلة ، في أقصى درجات تجلياتها السلبية . لا أخلاق الواجب التي نادى بها كانط ، بعد الحاق الهزيمة بالمنظومة الأخلاقية الكنسية . أو غيرها من الأنساق الأخرى ، المنظمة للحياة الخاصة والعامة للشعوب والأفراد . ولهذا فدولة المرتزقة بنخبها وشعبها ، لهي على النقيض من الدولة الحديثة ، التي تسعي الشعوب ، لتجسيدها على أرض الواقع . وهما متضادتان كتضاد ، المدينة الفاضة والمدينة البائسة عند أفلاطون . ولذلك فدولة المرتزقة مصيرها الفشل والاندثار ، لأنها تصادم النواميس التي تحكم الكون والعمران .
إن المرتزقة ليسوا فقط ، هؤلاء الذين يتم استجلابهم من الخارج . ولكنهم يتواجدون أيضا ، بين من يحملون بطاقات هوية ، وجوازات سفر هذا البلد أو ذاك ، ويتحدثون لسانه . ولكن مواطنتهم مزيفة ، إنهم وصوليون ومتسلقون ، وانتهازيون ، ومصلحيون . الوطن عندهم مجرد محطة للثراء ، بهدف الانتقال إلى وطن آخر . يشترون جنسيته ، بما نهبوه من وطنهم الأم . حتى أن البعض منهم بفساده ، وإتقانه فن التسلق والانتهازية ، وصل إلى مراكز حساسة في هذا البلد أو ذاك . فمنهم رؤساء الحكومات والوزراء ، ورؤساء الأحزاب والنواب . إنهم هنا وهناك في العالم المتخلف ، كما في العالم المتقدم . إنهم يتقنون فن الحديث ، وبه يعرضون الوطن في المزاد ، لبيعه لمن يدفع أكثر .
من سوء حظ بعض الأوطان ، أنها فشلت في انتاج الفرد المواطن، ولكنها نجحت في انتاج فئة من الساكنة ، ما هم في حقيقة أمرهم سوى مرتزقة . لا أحد يلوم هذه الفئة لوحدها ، لكون بعض الدول فشلت في نقل قطاعات واسعة من مواطنيها من ضفة الساكن المرتزق ، إلى ضفة المواطن الحقيقي. ومتى نجحت في هذا الأمر ، تكون قد خطت أول خطوة ، لتلتحق بركب اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية.
إننا بحاجة إلى ثورة حقيقية ، تعيد بناء العقليات والذهنيات. وإن أمكن زرع منظومة قيم جديدة ، اسمنتها الحس والواجب الوطنيين ، والالتزام تجاه الوطن . بعيدا عن السموم التي تمطرنا بها السماء ، عبر مختلف الوسائل الاعلامية والوسائط الاجتماعية ، التي تلعب دورا رئيسيا ومحوريا، في بناء وإعادة تشكيل ذهنياتنا وقناعاتنا ، وفق ما يخدم مصالح الآخر المتربص والطامح إلى الهيمنة ، والطامع في خيرات الأوطان . وهذا الأخير يدرك بأن زمن الغزو الخارجي بالجيوش الزاحفة لغرض الاجتياح والسيطرة المباشرة قد ولي، ولهذا فقد ابتكر أساليبا جديدة ، ولعل أبرزها تجنيد مرتزقة من الداخل ، فهم أبناء جلدتنا ولذلك يسهل توظيفهم ، كحصان طروادة لهدّ ونخر الأوطان من الداخل.
إن هؤلاء المرتزقة ممن يتخفون، وراء ستار المواطنة ، منهم كل العطب كما قال ابن باديس . ولقد عانت منهم الجزائر كثيرا ، ورأت على أيديهم الويلات ، خلال حقبة الليل الاستعماري الطويل . فكانوا عيونه وأذانه ، وأيديه التي يبطش بها. حتى أن فرنسا الاستعمارية كثيرا ما كانت تفتخر ، بأنها لم تحتل الجزائر بجيوشها . وإنما احتلها بعض الجزائريين لصالحها ، وهم من شيدوا ما يسمى زورا الجزائر الفرنسية . وكان هذا عبر مختلف الخدمات التي قدموها لها ، سواء من قبل هؤلاء الذين انضموا إلى فيالقها الغازية ، وكانوا سوط عذاب مسلطا على بني قومهم . أو ممن انخرطوا في سلك إدارتها ، كموظفي المكاتب العربية . ثم صادفناهم في مختلف فيالق الملتحقين بها ، خلال الثورة التحريرية الكبرى . وهؤلاء وآباؤهم ، هم من كانوا الحراس الأوفياء ، ( للجزائر الفرنسية ) . وضمنوا بقاءها ، لمدة 132 سنة . وكانوا على استعداد ليؤدوا نفس الدور ، هم وأبناؤهم وأحفادهم . لولا الثورة المباركة ، التي أنهت سيادة دولة الاحتلال وتوابعها.
والمرتزقة من أبناء هذه الدولة أو تلك ، وخاصة دول العالم المتخلف ، ممن لا تملك مناعة كافية ضد الاختراق الخارجي ، ممن يعيشون بين أفراد شعوبها . لهم وكما كان أسلافهم ، أداة طيعة في يد الاستعمار الجديد . فهم من يسخرون البلاد لخدمة السادة الجدد ، فيما وراء البحار. ولصالح شركاتهم ، العابرة للقارات . مقابل بعض الفتات الذي يُرمى لهم ، ثم منحهم ملجأ آمنا ، عندما تنتفي الحاجة إليهم ، وتنتهي خدماتهم ومدة صلاحيتهم . وهكذا يفعلون مع من يخلفونهم ، وفق ما تقتضيه دواعي المرحلة الجديدة.
علما بأنه متى أصبح في الدولة مرتزقة ، والبقية مجرد أقنان حتى وإن هم تلقوا وتقاضوا مرتبا شهريا . ولكنهم مبعدون عن إدارة الشأن العام ، ويتم اقصاؤهم وفرزهم وتهميشهم واستبعادهم بالقوة . أو يستثنون ظلما وعدوانا فلا يتمتعون ، بحقوق المواطنة المكفولة ، في كل القوانين السماوية والوضعية . وهذا ما حدث في العديد من بلدان العالم المتخلف ، في فترة ما بعد استقلالها . علما بأن البعض لا يزال يحن إلى ذلك الفرز والاقصاء الممنهج ، لا لشيء سوى لكونه يرى بأن مصالحه ، قد تضاءلت وانكمشت لصالح بقية أبناء شعبه ، وهو ما لا يتفهمه أو يتقبله.
إننا متى سرنا في هذا الطريق الخاطئ ، نكون قد عبَّدنا الطريق أمام دولة الخراب ، التي لن يُسْتَـثْـنَى أحد من تذوق ثمار حصادها المرّ . خراب قد يأخذ شكل الحرب الأهلية ، أو تغول النزعات الانفصالية . كما هو الحال مع بعض أقاليم العراق ، التي طالبت بعض نخبها في فترة ما ، بضرورة الانفصال ، وتكوين دولة مستقلة ، أو الانضمام إلى إحدى دول الجوار . وهذا السناريو يمكن أن تتبناه أية منطقة في أية دولة ، ما لم يتم تفكيك الأسباب الداعية إلى هذه السردية والمنحى . نعم إنه يتحتم على النخبة الحاكمة والمثقفة ، أن تتصدي لكل ما يؤدي ، إلى أن يعانق أهل أية جهة من الوطن . ذلك الاحساس المقيت ، احساس الغربة داخل الوطن ، بدلا من أن يكونوا شركاء فيه ، ويشعرون بأنه ملكهم ، يفدونه بأرواحهم قبل أموالهم . كما يتوجب على النخب ، أن تثمن كل ما يبني وطنا للجميع ، وطن يشعر كل أفراده بأنه بيتهم وملكهم ، وطن يكون للجميع ، نصيب في تشييده والتمتع بخيراته.
أخيرا يمكن القول ، بأنه يتوجب على الجميع إحداث قطيعة حقيقية ، مع ممارسات الماضي ، التي جعلت من بعض المواطنين مرتزقة . ولأجل تحقيق هذه الغاية ، فإنه يتوجب استلهام فكرة نهاية التاريخ. لا كما هي عند كل ، من هيغل وماركس وفوكوياما . وإنما بمعنى نهاية حقبة وطي صفحة ، لحساب حقبة وصفحة جديدتين . واعتماد نموذج المجتمع المفتوح ، ولو بصوة نسبية لصالح أبناء القطر الواحد . وهنا يتوجب الحذر من المتسلقين والانتهازيين ، ممن يقدمون أنفسهم على أنهم رجال ونساء المرحلة الجديدة . فهؤلاء لا ولاء لهم إلا لمصالحهم ، فهم مرتزقة كل مرحلة ، ممن يرفعون شعار ، مات الملك عاش الملك . ولقد خبرت بعض المجتمعات كالجزائر هذه الفئة ، فأنبياء المرحلة الاشتراكية وسدنتها . هم من أصبحوا الأكثر تعصبا لاقتصاد السوق من مُنَظِّرِهِ سان سيمون ، في مرحلة ما بعد 1990 . وما الاشتراكية والرأسمالية عندهم ، إلا حصان طروادة ، يتخذونه مطية لنيل مبتغاهم.
سمير خلف الله
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)