الانتخابات المحلية في الجزائر تدخل المنعطف الأخير

الانتخابات المحلية في الجزائر تدخل المنعطف الأخير
الانتخابات المحلية في الجزائر تدخل المنعطف الأخير

 انطلقت عملية دراسة ملفات المترشحين للانتخابات المحلية في الجزائر المقررة نهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وسط مخاوف الأحزاب من تكرار مشهد التشريعيات الماضية التي شهدت استبعاد عدد كبير من المترشحين، ما استدعى جهدا مضاعفا من الأحزاب لتعويضهم.

وكانت الحصيلة الأولية التي أعلنتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، في بيان لها قد أسفرت عن إيداع 5631 قائمة لانتخابات المجالس الشعبية البلدية، تضم في مجموعها 141 ألفا و388 مترشحا، موزعة بين 5371 قائمة تحت رعاية أحزاب سياسية، و239 قائمة حرة، و21 قائمة تحت رعاية تحالفات حزبية.

وبالنسبة إلى المجالس الشعبية الولائية، بلغ عدد القوائم المودعة 434 قائمة، تضم 21 ألفا و476 مترشحا، منها 405 قوائم حزبية و24 قائمة حرة وخمس قوائم تحت رعاية تحالفات سياسية.

وتأتي هذه الحصيلة بعد أسابيع من التحضيرات التي واجهت خلالها الأحزاب صعوبات في استكمال قوائمها، رغم اتساع عملية سحب ملفات التصريح الجماعي بالترشح في المرحلة الأولى. وكانت السلطة الانتخابية قد أحصت، إلى غاية 23 أيلول/سبتمبر الماضي، سحب ثلاثة ملايين استمارة تتعلق بانتخابات المجالس البلدية ونحو د نصف مليون استمارة بالنسبة إلى المجالس الولائية.

ولا تعكس الأرقام المتعلقة بالملفات المسحوبة بالضرورة عدد القوائم التي تمكنت الأحزاب من إيداعها فعليا، إذ تفرض عملية إعداد الترشيحات استكمال الشروط القانونية والإدارية، إلى جانب توفير العدد المطلوب من المترشحين والتوقيعات، وهو ما يضع التنظيمات السياسية أمام تحديات متفاوتة بحسب إمكاناتها وانتشارها المحلي.

وتشير معطيات أولية للأحزاب إلى تفاوت في حجم التغطية الانتخابية، إذ يرجح أن يغطي حزب جبهة التحرير الوطني نحو 1300 بلدية، بينما يتوقع أن يكون حضور التجمع الوطني الديمقراطي وجبهة المستقبل بين 700 و900 بلدية، وهي حاليا أكبر الأحزاب الموجودة في الساحة التي فازت بالمراتب الأولى في التشريعيات وتحسب كلها على تيار الموالاة.

وتحاول الأحزاب الأخرى خاصة المعارضة الحفاظ على حضورها في أكبر عدد ممكن من البلديات والولايات، في ظل منافسة تتداخل فيها الاعتبارات التنظيمية مع المخاوف المرتبطة بقبول ملفات الترشح، خاصة بعد الجدل الذي رافق الانتخابات التشريعية الأخيرة وما سجل خلالها من استبعادات طالت مترشحين وقوائم.

ويتركز جانب من القلق الحزبي على مرحلة دراسة الملفات، التي ستحدد القوائم المقبولة لخوض الانتخابات، في ظل تخوفات من أن يؤدي رفض بعض الترشيحات إلى إرباك التشكيلات السياسية وإجبارها على إعادة ترتيب قوائمها قبل موعد الاقتراع.

وينتظر أن تتضح الصورة الأولية للقوائم المقبولة بعد عشرة أيام من إيداعها، على أن يتمكن المترشحون الذين ترفض ملفاتهم من اللجوء إلى الطعن أمام الجهات المختصة، قبل استكمال الإجراءات المرتبطة بتثبيت القوائم النهائية. ويتيح هذا المسار للأحزاب والمترشحين الاعتراض على قرارات الرفض وفق الآليات القانونية المقررة.

وكانت عدة أحزاب قد طالبت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بتوضيحات وضمانات بشأن كيفية تطبيق المواد القانونية المنظمة لشروط الترشح، تفاديا لما تصفه بإمكانية استبعاد مترشحين بناء على شبهات أو تقديرات لا تستند إلى أحكام قضائية نهائية.

وفي هذا السياق، طرح حزب جيل جديد مقترحات تتعلق بتطبيق المادتين 184 و200 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، مشددا على ضرورة مكافحة المال غير المشروع وشراء الأصوات والتمويل الخفي والفساد الانتخابي، مع ضمان عدم تحول هذه الإجراءات إلى قيود غير مبررة على حق المواطنين في الترشح.

من جهته، ربط حزب العمال، بقيادة أمينته العامة لويزة حنون، حالة العزوف التي يقول إنه لاحظها لدى المواطنين والمناضلين بتداعيات الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من تموز/يوليو الماضي. واعتبر الحزب أن الاستبعادات التي سجلت خلال ذلك الاستحقاق أثرت في عدد من التشكيلات السياسية والقوائم الحرة، ودعا إلى إعادة النظر في طريقة تطبيق المواد القانونية المتعلقة بشروط الترشح.

واقترح الحزب تجميد العمل بالمادتين 200 بالنسبة إلى التشريعيات و184 بالنسبة إلى الانتخابات المحلية بصورة مؤقتة، إلى حين مراجعة القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، كما طالب بتبسيط بعض الإجراءات الإدارية والوثائق المطلوبة، ومنح المترشحين آجالا كافية للاطلاع على أسباب رفض ملفاتهم والطعن فيها.

عزوف عن الترشح

وتتجاوز المخاوف الحزبية مسألة رفض الملفات إلى ما تصفه بعض التنظيمات بضعف جاذبية العمل الانتخابي، في ظل تراجع حماسة المناضلين وصعوبة استقطاب شخصيات محلية لخوض الانتخابات باسم الأحزاب.

وفي هذا الإطار، نشر المكلف بالإعلام في حركة مجتمع السلم، عبد المنعم بن حمدة، تحليلا بعنوان “انتخابات دون مترشحين”، تساءل فيه عن أسباب عزوف الجزائريين عن الترشح، رغم أهمية المجالس المحلية في تسيير الشؤون اليومية للمواطنين.

وربط بن حمدة هذا الوضع بثلاثة عوامل أساسية، تتمثل في التخوف من الاستبعاد بسبب شروط الترشح وكيفية تطبيقها، وتراجع حماسة المناضلين بعد سنوات من العمل السياسي دون نتائج أو آفاق واضحة، فضلا عن محدودية ما تتيحه المشاركة الانتخابية من تأثير في السياسات العامة.

وانتقد المسؤول الحزبي إجراء الانتخابات المحلية دون صدور قانون جديد للبلدية والولاية، معتبرا أن تحديد صلاحيات المنتخب المحلي والأدوات القانونية والمالية المتاحة له يمثل عاملا أساسيا في تشجيع المواطنين على خوض الاستحقاق.

وتساءل بن حمدة عن جدوى الترشح في ظل استمرار تركيز الصلاحيات والموارد والقرار في المستويات المركزية، داعيا إلى منح المجالس البلدية والولائية إمكانات تسمح لها بالمشاركة الفعلية في التنمية المحلية، بدلا من الاقتصار على تنفيذ القرارات الصادرة عن مستويات أعلى.

كما أشار إلى الظروف الاقتصادية والمالية التي تجري فيها الانتخابات، في ظل التحديات المرتبطة بتنويع الاقتصاد والموارد المتاحة، معتبرا أن المنتخب المحلي يحتاج إلى صلاحيات واضحة وميزانيات كافية حتى يتمكن من تنفيذ البرامج التي يقدمها للناخبين.

وفي ظل الحديث حول العزوف عن الترشح، دعا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في آخر تصريحاته، الشباب إلى أخذ زمام المبادرة والترشح لانتخابات المجالس الشعبية البلدية والولائية، معربا عن أسفه لعزوف بعضهم عن خوض الاستحقاق.

وأكد تبون أن تطوير العمل المحلي يمر عبر تعزيز دور البلدية وتشجيع المواطنين، خصوصا الشباب، على المشاركة في التسيير وصنع القرار، مشددا على ضرورة اختيار الأنسب لعضوية المجالس المحلية بالنظر إلى أهمية البلدية، خاصة بعد توسيع الصلاحيات المخولة لها.

كما أشار إلى إجراءات اتخذتها الدولة لتشجيع الشباب على المشاركة، من بينها تمويل حملاتهم الانتخابية، بهدف إبعادهم عن تأثير المال الفاسد، داعيا إياهم إلى تحمل مسؤولياتهم والانخراط في الممارسة السياسية.

وفي وقت ينتظر المترشحون والأحزاب نتائج دراسة الملفات والبت في الطعون، ستحدد القوائم التي تستكمل الإجراءات القانونية حجم المشاركة الفعلية في انتخابات 28 تشرين الثاني/نوفمبر، ومدى قدرة الأحزاب على الحفاظ على حضورها في المجالس البلدية والولائية.

شارك

التعليقات (0)

User