تواصل الجزائر اللجوء إلى الأسواق الدولية لتأمين احتياجاتها من الحبوب، رغم ما تتوفر عليه من موارد نفطية وغازية ضخمة، في مفارقة تعيد إلى الواجهة سؤال الأمن الغذائي وحدود النموذج الاقتصادي القائم على تصدير المحروقات واستيراد جزء مهم من المواد الأساسية. فبحسب متعاملين أوروبيين نقلت عنهم وكالة «رويترز»، اشترى الديوان الجزائري المهني للحبوب نحو 600 ألف طن من قمح الطحين، في مناقصة دولية، بأسعار أولية تراوحت بين 326 و326.50 دولارا للطن، شاملة التكلفة والشحن..
وتكشف هذه الصفقة، التي تضاف إلى مشتريات سابقة من الأسواق العالمية، عن استمرار اعتماد الجزائر على الخارج لتغطية حاجياتها من القمح، في وقت تتكرر فيه التصريحات الرسمية بشأن تحسن الإنتاج الفلاحي وتحقيق مواسم واعدة.
وبين الخطاب التبوني الذي يحتفي بالمردودية الفلاحية والواقع الذي يفرض استيراد مئات الآلاف من الأطنان، تبرز الحاجة إلى التمييز بين تسجيل محصول جيد في موسم معين وبين امتلاك منظومة إنتاج وتخزين وتوزيع قادرة على ضمان الأمن الغذائي بصورة مستدامة.
ولا يعني استيراد القمح، في حد ذاته، أن بلدا ما عاجز عن تحقيق أمنه الغذائي، خصوصا أن هذه المادة تخضع لتقلبات الإنتاج والمناخ والأسعار الدولية، لكن الإشكال في الحالة الجزائرية يتمثل في حجم الاعتماد على الواردات، ومدى قدرة السياسات الفلاحية على تقليصه تدريجيا، رغم العائدات التي يتيحها قطاع المحروقات.
فالثروة الطاقية يمكن أن توفر العملة الصعبة لشراء الغذاء، لكنها لا تعوض بناء قاعدة إنتاجية قوية، ولا تحمي الاقتصاد من تقلبات الأسواق العالمية واضطراب سلاسل الإمداد.
وتزداد أهمية هذا التحدي في ظل التوترات التي تؤثر على تجارة الحبوب عبر البحر الأسود، أحد المسارات الرئيسية لتصدير القمح الروسي والأوكراني، وما يصاحبها من تغيرات في الأسعار ومصادر التوريد.
وقد رجح متعاملون أن تشمل مشتريات الجزائر الجديدة قمحا من منطقة بحر البلطيق، إلى جانب مصادر أخرى مثل رومانيا وبلغاريا والأرجنتين. وهو ما يبرز أن تأمين احتياجات البلاد يظل مرتبطا بتطورات خارجية لا تتحكم فيها الجزائر، مهما بلغت مواردها من النفط والغاز.
واللافت أن الجزائر تتباهى في كل موسم بما تعلنه من تحسن في الإنتاج الفلاحي، غير أن المعيار الحقيقي لا يكمن في الأرقام الموسمية وحدها، بل في مدى انعكاسها على تقليص فاتورة الاستيراد، وتحسين مردودية الهكتار، وتطوير الري والتخزين، والحد من ضياع المحاصيل.
كما أن وفرة الموارد المالية لا تكفي وحدها لتحقيق السيادة الغذائية، إذا لم تقترن باستثمارات فعالة في البذور والبحث الزراعي والبنية التحتية وسلاسل التسويق، فضلا عن ترشيد استخدام المياه في بلد يواجه تحديات مناخية متزايدة.
وهكذا، تجد الجزائر نفسها أمام مفارقة يصعب تجاوزها بالشعارات: بلد يملك ثروة كبيرة من المحروقات، لكنه يواصل إنفاق مبالغ ضخمة على استيراد غذاء أساسي، بينما يظل الحديث عن الاكتفاء الذاتي رهينا بما يتحقق فعليا على أرض الواقع.
ولا تكمن المسألة في انتقاد شراء القمح باعتباره ضرورة لتأمين حاجيات السكان، بل في التساؤل عن أسباب استمرار هذه الحاجة بحجمها الحالي، وعن مدى قدرة السياسات الفلاحية على تحويل العائدات الطاقية إلى أمن غذائي أكثر استقرارا، بدلا من بقاء الأسواق الدولية جزءا أساسيا من معادلة إطعام الجزائريين.
التعليقات (0)