في السنوات الأخيرة، شهدت أنشطة تقدمها منظمات يهودية تعنى بالهوية اليهودية وتاريخ المستوطنات لجنود الجيش الإسرائيلي ارتفاعاً حاداً، وذلك حسب بيانات الجيش الإسرائيلي التي نشرت في آب بناء على طلب من حرية المعلومات الذي قدمته منظمة “إلى هنا”. في المقابل، انخفضت الدعوات بشكل كبير للمنظمات المعنية بالديمقراطية والتسامح وحقوق الإنسان للمشاركة في هذه الأنشطة. عادة ما يعلن الجيش التزامه بالصورة الرسمية، لكن البيانات التي تتناول حوالي 110 مؤسسة تعليم خارجية خلال الفترة من 2021 إلى 2025، تظهر الاتجاه الذي تميل إليه أجندة التعليم للجنود والقادة.
سجلت أعلى زيادة في الطلبات من معهد إسرائيل من الداخل، الذي يعمل في إطار شركة السياحة والتدريب “إسرائيل – 2 غو” التي يترأسها ناشط سابق في حزب “الصهيونية الدينية”. في العام 2022 لم يطلب الجيش الإسرائيلي أي أنشطة من المعهد، وفي 2023 طلب منه نشاط واحد فقط. وبعد سنة، بلغ عدد الأنشطة المطلوبة 303، وفي 2025 وصل العدد إلى 742 نشاطاً، أي أكثر من الضعف في السنة السابقة. من البيانات لا يمكن معرفة مضامين هذه الأنشطة.
تقدم الشركة جولات ودورات تدريب في أرجاء البلاد كلها، تشمل أنشطة حول مواضيع الصهيونية والهوية اليهودية والتراث والقيادة والروح القتالية، بالإضافة إلى جولات في القدس وحائط المبكى، وتقدم المؤسسة جولات في الأحياء الحريدية و”بني براك”، وأيضاً جولات في الضفة الغربية تشمل مواقع تراثية ومناطق خلف الخط الأخضر. لم تقتصر أنشطتها على الجنود في الخدمة الإلزامية فقط، حيث تشير بيانات الجيش الإسرائيلي إلى أن 98 دعوة في 2015 خصصت لضباط برتبة رائد فما فوق، و83 دعوة لضباط حتى رتبة نقيب، و561 دعوة لجنود وضباط صف. ووصلت أنشطة المؤسسة إلى مستوى القادة المسؤولين عن تثقيف الجنود وتشكيل رؤيتهم العسكرية.
يقف من وراء مؤسسة “اسرائيل – 2 غو” يوسيف شبايزر، وهو مرشد سياحي وباحث في التاريخ وعلم الآثار وعضو سابق في بلدية القدس. بعد أن كان عضواً في قائمة حزب “يمينا”، الذي يضم نفتالي بينيت وإييلت شكيد، ترشح شبايزر في آب 2022 في الانتخابات التمهيدية لحزب “الصهيونية الدينية” برئاسة سموتريتش. وبعد الحملة الانتخابية، اتحد حزب “الصهيونية الدينية” و”قوة يهودية” في قائمة مشتركة. وشارك شبايزر في أنشطة انتخابية إلى جانب سموتريتش، الذي دعم ترشحه ودعا إلى ترقيته في القائمة.
وتكشف تصريحاته العلنية عن مواقفه. فقد هاجم البناء الفلسطيني في “غوش عصيون” ووصفه بأنه “سيطرة البناء العربي غير القانوني الذي يخنق المستوطنات”. البيانات لا تقدم أي دليل على وجود صلة بين نشاط شبايزر السياسي وازدياد طلبات الجيش الاسرائيلي. ولا تقدم أي تفاصيل حول المحتوى الذي نقل للجنود. مع ذلك، تصاعد التفاعل مع هيئة يترأسها ناشط صهيوني ديني سابق يثير التساؤلات حول المعايير التي يختار الجيش بحسبها الجهات المدنية المسؤولة عن تدريب الجنود والقادة.
تتضح الصورة أكثر عند فحص الهيئات الأخرى التي تعمل في المستوطنات. فقد تمت دعوة “مدريشت شومرون” التي تعمل في مستوطنة “شفيه شومرون” وتنظم جولات تعريفية حول التوراة والتاريخ وتراث المستوطنات، لـ 19 فعالية في 2021، مقارنة مع 278 فعالية في 2025، أي 15 ضعفاً تقريباً. وزادت مدرسة “كفار عصيون” الميدانية عدد الدعوات التي تلقتها من 32 إلى 227 دعوة خلال المدة نفسها. وشهدت نشاطات جمعية “درخي افوت”، التي تعنى بالتراث اليهودي الإسرائيلي، طفرة ملحوظة. ففي العام 2021 لم تتم دعوتها إلا لثلاث فعاليات، في حين أنها دعيت في 2025 لـ 356 فعالية، أي أكثر من 100 ضعف. بشكل مشابه، ارتفع عدد الدعوات التي وجهت لمؤسسة تراث حائط المبكى من 42 إلى 413 دعوة في الفترة نفسها. في حين ارتفع عدد الدعوات الموجهة لجمعية مدينة داود التابعة لليمين، التي تعمل في مجال الآثار والسياحة في القدس، من 84 دعوة إلى 366 دعوة.
وقد وسع معهد “مدريشت تابور” نشاطاته، حيث زاد عدد فعالياته من 171 فعالية في 2021 إلى 424 فعالية في 2025. ومن بين الدعوات التي وجهت إليه في السنة الماضية كانت هناك 152 دعوة موجهة لضباط برتبة رائد فما فوق. ويترأس المعهد عميت درعي، المقرب من وزير شؤون الشتات عميحاي شيكلي، وبين الاثنان صداقة وثيقة، وقد خلف درعي في منصبه شيكلي في “مدريشت تابور” بعد دخوله إلى السياسة. ويترأس درعي أيضاً جمعية “الاحتياط في الجبهة”، وهو يدين ويهاجم منظمة “إخوة في السلاح” باستمرار.
وحسب إعلان نشر في “ذي ماركر” خصص لهذا المعهد الديني (مدريشت تابور) في 2023 حوالي 1.5 مليون شيكل من أموال وزارة شؤون الشتات، بواسطة شركة “أصوات اسرائيل”، وذلك لمشروع دعاية باسم “دبلو-آكت”. وحسب هذا الإعلان، فقد صرح شيكلي في استبيان لمنع تضارب المصالح عن صداقته مع درعي والانتماء لمدرسة “مدريشت تابور”. ويذكر أن درعي المنتمي لليمين ينشر باستمرار تصريحات انتقادية لليسار والإعلام في الشبكات الاجتماعية.
وتظهر البيانات أن معهد إسرائيل للديمقراطية، الذي يعنى بسيادة القانون ومؤسسات الدولة، كانت له دعوة واحدة فقط في 2021، ولم يحصل على أي دعوة في 2025، وانخفض عدد الدعوات الموجهة لمركز كرامة الإنسان في هذه الفترة من 27 دعوة إلى دعوة واحدة. منظمة “حوشين”، التي تعنى بالتوعية حول التسامح مع مجتمع المثليين ومكافحة رهاب المثلية، لم تُدعَ لأي فعالية في 2021، ودعيت مرة واحدة في 2025.
في المقابل، ارتفع عدد الدعوات الموجهة لمنظمة “بيناه” (التي تعنى بالتراث اليهودي الليبرالي) من 81 إلى 125، في حين وصل عدد الدعوات الموجهة لبيت بيرل إلى 280 دعوة في السنة الماضية، مقارنة مع صفر دعوة في 2021. لذلك، من المستحيل القول ان كل الهيئات التعددية قد تم اقصاءها عن نظام التعليم العسكري، لكن الفجوة بين المنظمات، لا سيما توسع نشاطات المنظمات التي تعنى بالهوية اليهودية والمستوطنات، تشير إلى توجه مقلق.
وقد أعلن الجيش الإسرائيلي أن “كل هيئات الجيش تعمل وفقاً لروح الجيش وقيمه. ويقود القادة كل النشاطات التعليمية في الجيش، مع إمكانية الاستعانة بهيئات خارجية، وذلك حسب قرار القائد. إن أي محاولة لتصوير الجيش الإسرائيلي بأنه يتعمد تسويق أجندة معينة أو يميز في المحتوى التعليمي والقيمي الذي يقدم لجنوده وضباطه، هي محاولة بعيدة عن الواقع”.
التعليقات (0)