توجت مجزرة معسكر “العلم” بمحافظة شبوة جنوب شرقي اليمن، الإثنين، التي حصدت مئات المجندين، موجة تصعيد عسكري واسعة تضرب اليمن منذ الثالث من سبتمبر/أيلول الماضي، متسببة في موجة نزوح جديدة وارتفاع مؤشرات ضحايا القصف وتصاعد حاد في الصراع الميداني والسياسي بين أطراف النزاع.
وأعلنت السلطة المحلية في المحافظة مقتل 53 مجنداً مستجداً في الأمن الداخلي وإصابة أكثر من 200 آخرين، في هجوم صاروخي شنته جماعة “أنصار الله” (الحوثيون).
وذكرت مصادر أن الهجوم وقع أثناء تجمع المجندين في الطابور الصباحي استعداداً لبدء دورة تدريبية في “التدخل السريع”.
وعقب الانفجارات التي أحدثت دوياً هائلاً، هرعت سيارات الإسعاف، بمساعدة مركبات المواطنين، لنقل الضحايا إلى هيئة مستشفى شبوة ومستشفى عتق العام، في حين توافد مئات المواطنين إلى المستشفى للتبرع بالدم استجابةً لدعوات المرافق الصحية.
وروى أحد الناجين من الهجوم أن الصواريخ سقطت على ميدان التدريب أثناء تجمع المجندين، مشيراً إلى أن طائرة استطلاع حلقت فوق المعسكر خلال الليالي الثلاث التي سبقت الهجوم.
وأوضح الناطق باسم القوات الحكومية، العقيد ماجد النزيلي، أن الهجوم نُفذ بثلاثة صواريخ باليستية استهدفت مركزاً لتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والشرطية في منطقة “العلم”، مؤكداً تعمد الحوثيين استهداف اليمنيين وقتلهم في مختلف المحافظات.
وفي المقابل، صرّح المتحدث العسكري باسم الجماعة، العميد يحيى سريع، بأن قواتهم استهدفت “تحشيدات سعودية” في معسكر العَلَم بالمناطق الشرقية، مشيراً إلى أن المعسكر “يديره ضباط سعوديون”. وأضاف، في بيانٍ، أن العملية أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف تلك القوات، بينهم ضباط سعوديون.
ونقلت وكالة “سبأ” التابعة للجماعة عن مصدر عسكري دعوته اليمنيين إلى مغادرة المعسكرات التي يحشد إليها التحالف السعودي، مؤكداً أنها لا قيمة لها بالنسبة لهم سوى تحويلهم إلى وقود لحربه وعدوانه.
إلى ذلك، أدانت السلطة المحلية في محافظة شبوة الهجوم، واصفةً إياه بـ “الاعتداء الدموي الغادر” الذي استهدف مجندين في مرحلة الإعداد والتأهيل، واعتبرته تصعيدًا عسكريًا خطيرًا يمس أمن المحافظة واستقرارها.
واطلع رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، من محافظ شبوة عوض بن الوزير، على مستجدات الحادثة، ووجه الجهات المختصة بتوفير الرعاية الطبية للجرحى، وتقديم العون لأسر الضحايا، وتسوية أوضاعهم وصرف مستحقاتهم، مشدداً على اتخاذ إجراءات حازمة للرد على مصادر الهجوم. وأكد العليمي أن هذه الاعتداءات لن تثني الدولة عن مواصلة مسؤولياتها في حماية المواطنين واستعادة مؤسسات الدولة.
وسبق للجماعة استهداف تجمعات عسكرية للقوات الموالية للحكومة في معسكرات بمأرب وحضرموت، شملت مواقع في الرويك، والثنية، والعبر، والوديعة قرب الحدود السعودية.
جبهات محتدمة
تأتي هذه التطورات الميدانية المتسارعة امتدادًا لموجة تصعيد عسكري واسعة تشهدها عدة جبهات يمنية تكاد تكمل الشهرين، والتي تحولت من اشتباكات متقطعة إلى مواجهات عنيفة وقصف صاروخي مكثف وغارات جوية في محاور قتال عدة، منها المواجهات المستمرة جنوبي محافظة مأرب (وسط)؛ حيث أفادت قناة “سبأ” الفضائية الحكومية بأن المنطقة العسكرية الثالثة استهدفت ثكنة وعياراً تابعين للجماعة.
وفي محافظة تعز (جنوب غرب)، أعلنت القوات الحكومية إحباط هجمات للحوثيين شرقي المدينة، والسيطرة على منطقة صنمات في مديرية المسراخ بعد معارك عنيفة. وفي حين ذكر محور تعز العسكري استهداف تجمعات وآليات وأسلحة للحوثيين في الأقروض والشقب والصراري جنوبي المدينة وتجمعات وأسلحة للجماعة في الضباب غربي تعز، أفادت قناة “الجمهورية” الفضائية التابعة لقوات المقاومة الوطنية بوقوع مواجهات عنيفة في قرية الرهن بصبر الموادم، وصد محاولة التفاف للحوثيين على جبهة الشقب.
كما تستمر المواجهات في جبهات الريف الجنوبي والجنوب الشرقي والريف الغربي لمحافظة تعز، وتحديداً في الوازعية وعلى أطراف جبل حبشي، بالتوازي مع استمرار الغارات الجوية، حيث ذكرت وسائل إعلام تابعة للجماعة أن “الطيران السعودي” استهدف منزلاً في منطقة حباجر بمديرية الشمايتين.
وفي جبهة الساحل الغربي، أكدت مصادر استمرار المواجهات العنيفة في محيط باب المندب بين قوات الحوثيين وألوية العمالقة الجنوبية، مشيرة إلى تقدم قوات العمالقة نحو “تبة الخزان”، لافتة إلى استخدام الحوثيين عشرات قذائف الهاون وطائرات مسيرة خلال الاشتباكات.
وفي جبهة المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج (جنوب)، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة، العميد يحيى سريع، أن قواتهم استهدفت ستة تجمعات من “التحشيدات السعودية” في منطقة السقيا ورأس العارة. وأوضح، في بيان، أن قواتهم تمكنت من تنفيذ العملية بستة صواريخ باليستية، مؤكدًا أن الإصابات كانت دقيقة وخلّفت عشرات القتلى والجرحى وتدمير عدد من الآليات.
وفي محافظة صعدة الحدودية (شمال)، أفادت وسائل إعلام تابعة لجماعة الحوثي بإصابة مواطن جراء قصف مدفعي سعودي استهدف قرى سكنية في مديرية رازح، بالإضافة إلى غارة جوية استهدفت منطقة بني ذهل بمديرية الظاهر.
وفي سياق الهجمات العابرة للحدود، أعلن المتحدث العسكري باسم جماعة «أنصار الله» (الحوثيون)، العميد يحيى سريع، عن تنفيذ ست عمليات عسكرية نوعية في العمق السعودي خلال الـ48 ساعة الماضية، استخدمت فيها أعداد كبيرة من الصواريخ البالستية والمجنحة والطائرات المسيّرة.
وأوضح سريع في بيانٍ صدر مساء الاثنين، أن العمليات استهدفت شركة «أرامكو» في ينبع، وحقل الشيبة النفطي، ومطار الملك خالد في الرياض، ومطار أبها الدولي، ورادارات في جبلي الحصن والرحمة، وقاعدة خميس مشيط الجوية، ومعسكر قوة الواجب البحرية، ورادار بئر عسكر. وأكد أن الإصابات كانت دقيقة، وأدت إلى تعطيل حركة الملاحة في مطار أبها، وإلحاق أضرار بالقاعدة الجوية، واندلاع حرائق في المنشآت النفطية، إضافة إلى سقوط قتلى وجرحى في المعسكر وتدمير الرادار.
وأضاف أن هذه العمليات تأتي رداً على الغارات الجوية والقصف الصاروخي الذي شنته السعودية خلال الـ48 ساعة الماضية، والذي استهدف أعياناً مدنية في صنعاء والمحافظات الأخرى، مُخلّفاً عشرات الشهداء والجرحى، معظمهم من النساء والأطفال. كما أشار إلى أن إجمالي غارات الرياض منذ بدء التصعيد الأخير تجاوز 2700 غارة، مؤكداً استمرار العمليات العسكرية في العمق السعودي ومُضي الجماعة في نهج «فرض معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد».
وكان الدفاع المدني السعودي قد أعلن في وقت سابق حالة التأهب في مدن الرياض ونجران وجيزان ومحافظة الخرج، قبل أن يعلن لاحقاً زوال الخطر. يأتي هذا في ظل استمرار تبادل الهجمات العابرة للحدود في العمقين اليمني والسعودي.
حصاد القصف والتهجير
وانعكست هذه المواجهات المتواصلة ميدانيًا بشكل مباشر على الوضعين الإنساني والصحي في البلاد؛ حيث خلّفت موجة القصف والمعارك الأخيرة كلفة باهظة في أعداد الضحايا المدنيين وموجات النزوح، حيث أعلنت وزارة الصحة في حكومة الحوثيين أن إجمالي ضحايا الغارات والقصف السعودي منذ بدء التصعيد في الثالث من سبتمبر/أيلول الماضي بلغ 141 قتيلاً و396 جريحاً، معظمهم في محافظات تعز وصعدة والجوف، مشيرة إلى أن النساء والأطفال يشكلون النسبة الأكبر من الضحايا.
وكانت المنظمة الدولية للهجرة أعلنت في 14 أكتوبر/ تشرين الأول أن أعداد النازحين في اليمن ارتفعت إلى نحو 228 ألف شخص جراء التصعيد غرب البلاد. وأوضحت المنظمة في بياناتها أن إجمالي النازحين منذ بدء التوتر في يونيو/حزيران 2026 تجاوز 228 ألف شخص (أكثر من 38 ألف أسرة)، حيث تتركز أكثر من نصف حالات النزوح في محافظة تعز.
وأفاد فريق “مصفوفة تتبع النزوح” التابع للمنظمة بتسجيل زيادة بلغت 15,942 نازحاً في 13 أكتوبر/تشرين الأول مقارنة بتقرير 11 أكتوبر/تشرين الأول، ليرتفع بذلك إجمالي النازحين المسجلين خلال الفترة من 1 أغسطس/آب إلى 13 أكتوبر/تشرين الأول إلى نحو 227,683 فرداً (حوالي 37,946 أسرة)، ما يعكس تسارعاً كبيراً في موجات النزوح خلال الأشهر الأخيرة.
تحركات وتصعيد سياسي
وعلى وقع هذا التصعيد الميداني والتفاقم الإنساني المتزايد، ينتقل زخم الأحداث إلى الواجهة السياسية والدبلوماسية؛ حيث توالت الإجراءات القيادية والتحركات الحكومية لمواجهة تداعيات الهجمات ومخاطبة المجتمع الدولي، يقابلها تمسك من جماعة “أنصار الله” بمواقفها المعلنة.
وفي هذا السياق، قالت وكالة أنباء “سبأ” بنسختها التابعة للحكومة إن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، “طلب رسميًا من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش دعم تحرك دولي، عبر مجلس الأمن، لتصنيف جماعة الحوثيين منظمة إرهابية وضمان تنفيذ حظر توريد الأسلحة إليها، وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها، ومحاسبة داعميها والمسؤولين عن انتهاكاتها”.
في الموازاة، وجّه رئيس مجلس النواب الموالي للحكومة، سلطان البركاني، رسائل إلى رؤساء وأعضاء البرلمانات العربية والإسلامية والدولية، والاتحاد البرلماني الدولي، والبرلمان الأوروبي، والاتحاد البرلماني العربي، بشأن التصعيد الحوثي وتداعياته الإنسانية والإقليمية والدولية.
وذكرت وكالة الأنباء الحكومية “سبأ” أن البركاني اعتبر في رسالته أن التصعيد العسكري للحوثيين “يمثل تطوراً بالغ الخطورة، يستوجب موقفًا دوليًا مسؤولًا يتجاوز حدود القلق والإدانة إلى العمل الجاد لوقف الانتهاكات، وحماية السكان، والحيلولة دون اتساع دائرة المواجهة وتفاقم كلفتها الإنسانية والإقليمية”، على حد تعبيره.
وقال عضو المكتب السياسي للجماعة، حزام الأسد، إنه لا مكان آمناً لمن وصفها بـ”التحشيدات السعودية”، مضيفًا في تدوينة على منصة “إكس”: “ستواصل قواتنا المسلحة ممارسة حقها المشروع في الدفاع عن شعبنا وسيادة بلدنا، وانتزاع حقوقه المشروعة، وكسر الحصار المفروض عليه، واستهداف أي تحشيدات للسعودية داخل اليمن أو في المملكة”.
وتشهد جبهات عدة في اليمن منذ مطلع يوليو/تموز مواجهات متقطعة بين القوات الحكومية والموالين لها من جهة، وقوات جماعة “أنصار الله” من جهة أخرى؛ وهي مواجهات تصاعدت حدتها بشكل ملحوظ مطلع سبتمبر/أيلول الماضي.
التعليقات (0)