أثارت تصريحات دافيد ليسنار، عمدة مدينة كان الفرنسية والمرشح للانتخابات الرئاسية، بشأن مجزرة 17 أكتوبر 1961 التي استهدفت متظاهرين جزائريين في باريس، موجة من الانتقادات السياسية، بعدما عبّر عن عدم اكتراثه بأحداث وقعت قبل ولادته، معتبرا أن استقلال الجزائر جعل من الضروري تجاوز هذا الملف.
وجاءت تصريحات ليسنار، المنتمي إلى حركة "طاقة جديدة"، خلال نقاش تلفزيوني بثته قناة "إل سي إي" الفرنسية، الاثنين، حين سألته طالبة مقربة من حزب "فرنسا الأبية" اليساري عما يعرفه عن أحداث 17 أكتوبر 1961، في سياق نقاش حول أعمال العنف التي شهدتها فرنسا خلال تحركات احتجاجية جرت في 17 أكتوبر 2026.
ورد المرشح الرئاسي بعبارات حادة، قائلا إنه لا يكترث بما حدث وإنه لم يكن قد ولد آنذاك، مضيفا أن الجزائر حصلت منذ ذلك الحين على استقلالها، كما أشار إلى أن لديه أصدقاء من أصول جزائرية تجاوزوا، بحسب تعبيره، تلك المرحلة، في محاولة لتأكيد أن العلاقات بين الفرنسيين والجزائريين لا ينبغي أن تظل رهينة أحداث الماضي.
ويعيد هذا الجدل فتح ملف الذاكرة التاريخية في فرنسا، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالا بشأن الطريقة التي يجري بها استحضار الماضي الاستعماري في النقاش السياسي، خصوصا في ظل استمرار التوترات المرتبطة بالعلاقات الفرنسية الجزائرية، وتحول قضايا الذاكرة إلى إحدى أبرز أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي في العلاقة بين البلدين.
وتعود أحداث المجزرة إلى 17 أكتوبر 1961، حين خرج آلاف الجزائريين في باريس في مظاهرة سلمية احتجاجا على حظر تجول تمييزي فرضته السلطات الفرنسية على الجزائريين المقيمين في العاصمة، في ذروة حرب الاستقلال الجزائرية، حيث تدخلت الشرطة الفرنسية بعنف لقمع الاحتجاج، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى، فيما تشير تقديرات تاريخية إلى أن العدد قد يصل إلى مئات الضحايا، مع إلقاء بعض المتظاهرين في نهر السين.
وبحسب المصادر التاريخية، فقد استخدمت الشرطة الفرنسية الرصاص الحي والضرب المفضي إلى الموت لقمع المتظاهرين، واعتقلت آلاف الجزائريين ونقلتهم إلى مراكز الاحتجاز ومرافق رياضية، من بينها قصر الرياضات، فيما ألقت بجثامين عدد من الضحايا في نهر السين.
وتختلف التقديرات بشأن الحصيلة النهائية للمجزرة، إذ تشير بعض التقديرات الفرنسية الرسمية المتأخرة إلى مقتل نحو 40 شخصا، بينما ترفع تقديرات تاريخية وجزائرية العدد إلى ما بين 200 و400 قتيل، فضلا عن عشرات المفقودين.
وفي عام 2024، اعتمدت الجمعية الوطنية الفرنسية مقترح قرار يدين المجزرة، فيما سبق للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن وصف ما وقع بأنه "وقائع لا يمكن للجمهورية تبريرها" في موقف يعكس استمرار الاعتراف الرسمي الفرنسي بخطورة تلك الأحداث، رغم بقاء الخلافات السياسية حول الذاكرة الاستعمارية وطريقة التعامل معها حاضرة في العلاقات بين باريس والجزائر.
التعليقات (0)